حسن حسني عبد الوهاب
40
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
العربية إلى اللاطينية أو حاول تقليده والوضع على غراره إنما كان مستمدّا من مصنفات أطباء قيروانيين خاصة ، مثل تآليف إسحاق بن عمران . وإسحاق الإسرائيلي ، وأحمد بن الجزار كما أنه اعتمد في الفلك وعلم الهيئة على تأليف أبي الحسن علي بن أبي الرجال القيرواني ، وفي ذلك بلاغ ! . . ولا يفوتنا أن نستطرد هنا إلى ذكر ذلك المعهد العلمي التطبيقي الذي أنشأه الأمير الصنهاجي ( علي بن يحيى ) حفيد المعز بن باديس ، فإنه أسس بمدينة المهدية حين تولى إمارتها ( سنة 501 ه - 1107 م ) مدرسة للعلوم الكميائية ، وأشرف على تسيير التدريس بها حكيم من أشهر حكماء العرب في وقته ، وهو الطبيب الفيلسوف الأديب ( أمية بن أبي الصلت الداني ) وقد ابتنى الأمير لذلك عمارة أسماها ( دار العمل ) إشارة لما يباشر فيها من تطبيق علم الكيمياء وفروعها ، زوّدها بآلات تحليل المعادن والأحجار ، وأدوات تقطير الأعشاب والنبات وتبخيرها وتحويلها مما يناسب معلومات ذلك العصر ، كما أنه جعل حولها غرفا وفيرة لإسكان الطلبة المعتنين ، وتمكينهم من العمل العلمي المجرد ، وللأسف الشديد لم يعش هذا المعهد الفريد في بابه أكثر من ربع القرن ، فيما رواه نقلة الأخبار . مما تقدم يتضح للباحث المنصف أن العرب لم يكونوا ليستأثروا بعلومهم ، ويضنّوا بنتيجة أبحاثهم واكتشافاتهم ، بل كانوا يلقونها لكل راغب ويلقنونها لكل طالب ، ولا يهمهم جنسه ومعتقده ، وبمثل هذا العمل تتفاضل الأمم ، وتتفاخر الشعوب ، إذ كانت الرسالة العلمية أمانة يؤديها حاملها إلى البشرية قاطبة ، من غير ارتقاب جزاء أو شكور ، وبذلك قضت سنة الكون بين أبناء الخليقة ، ليتم العمران ، ويسود العرفان ، ويعم التواد ، والتعاضد بين أفراد الإنسان ! . . ولم ير البشر - في مرحلته العقلية - وسيلة أنجع من الدراسة - والدراسة العلمية خاصة - لتقريب الأفهام وإزالة التشاحن بين مختلف الطبقات ! . . * * * بعد زحفة الأعراب من بني هلال وبني سليم على إفريقية ، قامت ( الدولة الحفصية ) بعاصمة تونس ، وارثة قرطاجنة والقيروان معا - ( القرن السابع للهجرة ،